محمد متولي الشعراوي

1867

تفسير الشعراوى

يوم هجرة الرسول عليه الصلاة والسّلام من مكة إلى المدينة هذه الآثار كانت باقية في نفس « ابن أبىّ » ففي ذلك اليوم الذي جاء فيه الرسول إلى المدينة كان هو اليوم الذي كان سيتوج فيه المنافق « ابن أبىّ » ليكون ملكا على المدينة ، فلما جاء الرسول بهذا الحدث الكبير تغير الوضع وصار التاج من غير رأس تلبسه ، فهذه قد حملها في نفسه . « قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ » لقد ادّعى ابن أبىّ أن الخروج من المدينة هو كإلقائه إلى التهلكة وليس قتالا ؛ لأن القتال تدخله وعندك مظنة أن تنتصر ، إنما هذا إلقاء إلى تهلكة وليس قتالا ، لكن أقال : « لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ » وهو صادق ؟ إن الحق يفضحهم : « هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ » ، فقبل ذلك كانوا في نفاق مستور ، وما دام النفاق مستورا فاللسان يقول والقلب ينكر ويجحد ، فهم مذبذبون بين ذلك ؛ لا إلى هؤلاء ، ولا إلى هؤلاء ، هذه المسألة جعلته قريبا من الكفر الظاهر . « يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ » . . إذن فالقلب عمله النية الإيمانية ، واللسان قد يقول ولا يفعل ما يقول ، ولذلك قلنا : إن المنافق موزع النفس ، موزع الملكات ، يقول بلسانه كلاما وقلبه فيه إنكار ، ولذلك سيكونون في الدرك الأسفل من النار ؛ لأنهم غشاشون ، ونفوسهم موزعة . « يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ » والقول ضروري بالفم ؛ لأن القول يطلق ويراد به البيان عما في النفس ، فتوضيح الإنسان لما في نفسه كتابة ، يعتبر قولا - لغة - ولذلك فالذي يستحى من واحد أن يقول له كلاما فهو يكتبه له في ورقة ، فساعة يكتب يكون قد قال ، وهؤلاء المنافقون يقولون كلماتهم لا بوساطة كتاب بل بوساطة أفواههم ، وهذا تبجح في النفاق ، فلو كانوا يستحون لهمسوا به : « يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ » إذن فاللسان لم يتفق مع القلب . فالقلب منعقد ومصر على الكفر - والعياذ باللّه - واللسان يتبجح ويعلن الإيمان .